كلام رائع قرأته ووجدت ان اذكر نفسى و اياكم ببعض ما فيه عسى ان لا نكتم علما مهما كان بسيطا قد ينتفع به الاخرين:
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمدك ربي على جزيل نعمك ، وعظيم مننك .. وأشكرك ربي على واسع عطائك ، ووافر هباتك ..
وبعد : فهذه خاطرة عابرة ، وفكرة شاردة ، رأيت داعي كتابتها في هذا الوقت لازم ، ونشرها في هذا الزمان حتم جازم . إن البذل والعطاء سيما لعلو النفس ورفعتها ، ودلالة على أصالتها وجودة معدنها ، لأن النفوس مجبولة على المنع ، تحب المزيد لنفسها وتكره النقصان في حقها ، فما خالف أحد هذه الطبيعة إلا بهمة عالية ونفس لحب الخير سائرة وجارية . والبخيل في عطائه ، القابض لجرابه ، الحابس لماله ، بعيد عن الله وعن الناس ، وأبعد منه من ضن بالعلم على أهله ، وبخل بالفائدة على أصحابه وإخوانه.
قال ابن حزم رحمه الله : ( الباخل بالعلم، ألأم من الباخل بالمال، لأن الباخل بالمال أشفق من فناء ما بيده، والباخل بالعلم بخل بما لا يفنى على النفقة، ولا يفارقه مع البذل) .
لقد حث سلفنا الصالح على بذل العلم ونشره وإفادة طلاب العلم بعضهم لبعض لتحصل لهم البركة في علمهم ، وأنا ذاكر لك بعض كلامهم لعله يقع منك بموقع جميل.
قال يحيى بن معين :( من بخل بالحديث وعسر على الناس سماعهم لم يفلح ).
وقال سفيان الثوري : ( من بخل بعلمه ابتلي بثلاث : إما أن ينساه ولا يحفظ ، وإما أن يموت ولا ينتفع به ، وإما أن تذهب كتبه ).
و قال ابن المبارك : ( من ضن بالحديث ولم يفده ابتلي بإحدى ثلاث : إما أن يصحب السلطان فيذهب علمه ، أو يكذب في الحديث ، أو يموت ).
وقال مالك : ( من بركة الحديث إفادة بعضهم بعضاً ).
وقال الخطيب البغدادي في كتابه الجامع في أخلاق الراوي وآداب السامع : ( باب الترغيب في إعارة كتب السماع وذم من سلك في ذلك طريق البخل والامتناع ). ثم قال : ( إذا كان لرجل كتاب مسموع من بعض الشيوخ الأحياء فطلب منه ليسمع من ذلك الشيخ ، فيستحب أن لا يمتنع من إعارته ، لما في ذلك من البر ، واكتساب المثوبة والأجر ، وهكذا إذا كان في كتابه سماع لبعض الطلبة من شيخ قد مات فابتغى الطالب نسخه استحب له إعارته إياه ، وكره أن يمنعه منه ).
واقرأ معي كلام خالد القسري وهو من جميل خطبه في هذا المقام: ( كان خالد القسري يقول في خطبته : يا أيها الناس تنافسوا في المكارم ، وسابقوا إلى الخيرات ، واشتروا الحمد بالجود ، ولا تكتسبوا بالمطل ذما ، ومهما كانت لأحد منكم عند أحد يد ثم لم يبلغ شكرها فالله أكمل لها أجراً ، وأفضل لها عطاء . يا أيها الناس إن حوائج الناس إليكم نعم من الله عليكم ، فلا تملوا النعم فتحول نقماً ، واعلموا أن خير المال ما أكسب حمداً وأورث ذخرا . يا أيها الناس من جاد ساد ، ومن بخل ذل ، ولو رأيتم المعروف رجلاً لرأيتموه بهياً جميلاً يسر الناظرين ويفوق العالمين ، ولو رأيتم البخل رجلاً لرأيتموه قبيحاً مشوهاً تغض منه الأبصار وتقصر دونه القلوب . أيها الناس إن أكرم الناس من أعطى من لا يرجوه ، وإن أفضل الناس من عفا عن قدرة ، والأصول عن مغارسها تنمي ، وبفروعها تزكو ).
فيا طالب العلم جد بعلمك ، وأعر كتبك ، وأفد صحبك ، تنل رضا ربك . وأخيراً : هذه ومضة خطرت في الذهن فأضأتها ، ولمعة في الفكر فأوقدتها ، وإني لشاهد على أنك في غنى عما أقول ، وإنما هي تذكرة للغافل ، وشحذ همة للباذل .
أخوكم الهاوي عبدالناصر فاضل